Title

شروط الطاغية عند ميكيافيللي

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف مشاركة الارباح

 في المقالة السابقة "قواعد العقيدة الثورية عند ويل وإريل ديورانت" استعرضت العقائد والأعراف التي يجب أن تحويها رأس الثوري إذا قررأن يثور، كما وضحت بعض المفاهيم الثورية التي كانت تُفهم بشكل خاطئ، وذكرت الخطأ فيها، وفندتها نوعاً ما، ولكن في هذه المقالة بإذن ربي سأستعرض شروط الطاغية التي من المفترض أن تقوم عليه "" من واقع أفكار شيطان السياسة: "نيقولا ميكافيليي"، التي تجلت أفكاره تلك في كتابه المثير للجدل، والذي يُعد من أكثر الكتب تأثيراً في البشر عبر التاريخ الإنساني، ألا وهو كتاب "الأمير"، وسنحاول من خلاله معرفة إجابة سؤال: هل الغاية تبرر الوسيلة؟!.

شروط الطاغية المستبد:

1-((الأمير الشرعي ليس في حاجة إلي إيصال الأذي برعيته، وإحجامه عن الأذي يُحببه إلي شعبه فيتعلق بأهداب عرشه، هذا إذا لم يكن الأمير مُتصفاً بعيوب وذنوب تنفر منه الرعية، ولا يبعد أن تنسي الرعية في عهد الأمير المحبوب ما فرط من بعض أسلافه، كتغيير القوانين وتبديلها، وسلب الأموال، والحكم بين الناس بالظلم، ومثل هذه الذنوب إذا طال عليها الزمن محاها، والدهر خير مُضمد للجروح، والأمير الحازم إن أراد أن يبقي محبوباً لدي أمته يجتاج إلي المُحافظة علي القديم والابتعاد عن التبديل مهما كان تافهاُ؛ لأن الشعب يعلم أن التغيير القليل يُمهد السبيل للكثير، وهذا يُهيج سخط العامة ويُحفظ الخاصة)).

2-((إذا كان النصر حليف الفاتح في دولة الأعوان فهزم جيوشها، واحتل بلادها، وشتت شمل جنودها فلا خوف عليه حينئذ إلا من أفراد الأسرة المالكة، فإذا هو أبقي عليهم كدروا من صفائه، وانتزعوا دولتهم من يده، واستبدلوا لواءهم بلوائه، أما إذا أهلكهم علي آخرهم واتبع رأس الأفعي ذَنَبَها، فلا خطر عليه من البقاء الأعوان؛ لأنهم-كما ذكرت-لا حول لهم ولا طول، وكما أنه لم يرج خيرهم قبل الفتح فلا خوف عليهم من شرهم بعده؛ لأن من لا يُرجي خيره لا يُخشي شره)).

3-((قد يندهش البعض من أن رجالاً كأجاتوكل وأمثاله بعد أن اقترفوا خيانة وقسوة وعاشوا آمنين في أوطانهم، وقدورا علي المدافعة عن أنفسهم ضد الأعداء الأجانب بعد أن يثور الشعب ضدهم، مع أن كثيرين من الحكام والأمراء لم يستطيعوا أن يحتفظوا بالملك في وقت السلم فضلاً عن وقت الحرب، وجوابي علي ذلك أن هذا راجع إلي الحكمة والطيش في استعمال القسوة-إذا كان يجوز إقتران القسوة بالحكمة-فالقسوة الحكيمة هي التي يستعملها الرجل ليحصل علي مركز وطيد ثم لا يطول أمدها، يل تستبدل سراعاً بأعمال نافعة للرعية، أما القسوة الطائشة فهي التي تبتدئ شيئاً فشيئاً وتزيد علي مر الأيام دون تنقص، فالذين يستخدمون القسوة الحكيمة قد يفوزون في إرضاء الله والناس كما كانت عاقبة أجاتوكل، أما الذين يستخدمون القسوة الطائشة فمن المستحيل عليهم أن يحتفظوا بمراكزهم؛ فينتج عن ذلك أن الفاتح الجديد ينبغي له في أول مرة أن يقترف ما أراد من صنوف القسوة مرة واحدة، بحيث لا يحتاج إلي العودة إليها مراراً، وبذلك يأمن الشعب جانبه، فيعمل الفاتح علي إرضائه وتهدئته، ومن يفعل ذلك في غير رهبة أو عن سوء نصيحة يبقي أبداً مضطراً للوقوف والخنجر في يده، ولا يُمكن أن يُعول قط علي رعيته؛ لأن الرعية لا تستطيع التعويل علي الأمير إذا كان له في كل حين شأن، فيلين يوماً ويشتد يوماً.، إن الإساءات ينبغي أن تتم مرة واحدة؛ ليكون ألمها مفرداً فتنسي سراعاً، أما الحسنات فينبغي أن تُعطي شيئاً فشيئاً ليكون قدرها أعظم والتمتع بها أتم، وفوق ذلم كله ينبغي للأمير أن يعيش مع شعبه علي وتيرة واحدة، بحيث لا يضطر لتغيير سلوكه لخير أو شر، فإن فعل الخير المرغم عليه الأمير لا قدر له؛ لأن الخير ما لم يُصدر عن طيب خاطر لا يستعبد القلوب)).

4-((الحاكم الذي يُحصن مدينته  وينال رضا الشعب لا يُمكن أن يُهاجم، فإذا هوجم فإن المهاجم يضطر للتقهقر مخذولاً؛ لأن التحول نظام كل شئ في الوجود)).

5-(((الشعب المحاصر إذا رأي أملاكه الكائنة خارج المدينة مُعرضة للتدمير والإحراق، ورأى في مصلحته الذاتية التسليم نسي حاكمه)، فأجيب علي ذلك بأن الأمير الشجاع يستطيع علي الدوام أن يُقاوم مثل تلك الصعوبات البسيطة بأن يملئ قلوبهم بأمل الخلاص القريب تارة، وبتخويفهم من قسوة العدو طوراً، وبالحصول علي ثقة من يراهم أشد جسارة من غيرهم، ثم إن العدو القادم لا يُبقي طويلاً علي ما يملكه أهل البلد خارجها، فإنه يحرق ويدمر لدي وصوله ما تصل إليه يده، وعند ذلك يكون الشعب المُحاصر لا يزال ظاهر الحمية والتحمس، فإذا هدأ تحمسهم لا يكون هناك وجه للخوف علي أمتعتهم فقد سبق تدميرها، فتصبح حاجتهم للاتحاد مع الحاكم كبيرة؛ لأنه يظهر لهم أنه مدين لهم بعد أن أهلكت بيوتهم ودمرت أمتعتهم في سبيل الدفاع عن أميرهم، وفي طبيعة البشر عادة الارتباط بالمنافع)).

6-((يجب علي الحاكم الذي يريد أن يحفتظ بعرشه: أن لا يخشي عار المعايب التي يصعب عليه بدونها الاحتفاظ بالملك؛ لأن الإنسان إذا أمعن النظر رأي أن كثيراً من الأمور التي تظهر له أنها فضائل قد تؤدي به إلي الخراب إذا اتبعها، وكثيراً مما يبدو كأنه من الرذائل قد يؤدي إلي الخير والسلامة)).

7-((جميع الأمراء كانوا لا يجدون حيالهم سوي مطامع الأشراف ووقاحة العامة، أما إمبراطرة الرومان فقد كانت حيالهم عقبة ثالثة، وهي احتمال قسوة وبخل الجنود، وهي عقبة لا يُستهان بها؛ لأنه سببت سقوط الكثيرين، وذلك لاستحالة إرضاء الشعب والجندية؛ لأن الشعب يحب الهدوء، ولذا يحب الأمراء المسالمين، أما الجند فيحبون الأمراء المحاربين الوقحاء القساة الطغاة، ويرغبون أن يُمارس الإمبراطور تلك الصفات ليذل الشعب وليحصلوا علي أمواله، فحدث أن الإمبراطرة الذين لم يستطيعوا إرضاء الطرفين سقطوا، والذين بلغوا منهم العرش علي حداثتهم علقوا آمالهم بالجند، ووقفوا عنايتهم علي الجيش، وكان هؤلاء مضطرين لتفضيل أجد الجانبين؛ لأنهم لم يكونوا يستطيعون إلا أن يكونوا مكروهين من أحد الجانبين، فكان واجبهم الأول أن لا يُبغضوا من الشعب، فإذا لم يوفقوا إلي ذلك فليبذلوا ما في وسعهم لاتقاء بغض الأحزاب القوية، ولذا كان الإمبراطرة المحدثون محتاجين للإفراط في الإحسان، وفضلوا محاباة الجيش علي محاباة الأمة، وكانت نتيجة تلك المحاباة تابعة علي الدوام لاقتدار الملك علي حفظ كرامته في نظر الجند)).

8-((واجب الحاكم أن يقوم بأعمال تكسبه شهرة الفخار والعظمة، إن الحاكم يُحترم عندما يُعرف عنه إما صديق صادق وإما عدو ثابت؛ لأن هذه السياسة أفضل من البقاء علي الحياد؛ لأنه إذا تحارب جاران فإما يعود عليك نفع من انتصار أحدهما وإما لا، وفي كلتا الحالين الأنفع لك أن تُظهر رأيك وتعلن الحرب، فإذا لم تفعل وقعت فريسة الظافر؛ فيسر عدوك المخذول، وبذا تفقد النصير؛ لأن المنصور لا يحب صديقاً مرتاباً في أمره لم يُناصره في الشدة، وكذلك المخذول لم يفتح لك صدره؛ لأنك لم تمده بتعضيدك)).

9-((عندما تكون نتيجة الحرب بين الطرفين لا تنالك، فإنه كذلك أحكم لك أن تناصر أحد الطرفين؛ لأنك تسعي في خراب أحدهما بمساعدة الآخر، وكان الأنفع لهما أن يبقي عليه، فإذا فاز فإنه يبقي تحت رحمتك، ومن المستحيل أنه لا يفوز إذا كنت تساعده، وهنا أذكر أنه لا ينبغي للحاكم أن يساعد من هو أقوي منه ليؤذي غيره إلا في حال الضرورة، لأنه إذا فاز بقيت تحت رحمته، وواجب الأمراء هو أن يتقوا جهد طاقتهم الوقوع تحت رحمة الغير)).

10-لأجل أن يعرف الحاكم سر الوزير فله طريقة بسيطة لا تخونه فإن الوزير إذا كان يهتم بذاته أكثر من اهتمامه بالحاكم ويقوم بأعمال لنفعه، فإنه لا يصلح وزيراً أو لا يُمكن التعويل عليه؛ لأن من كانت في يده مقاليد الدولة لا ينبغي له أن يُفكر في نفسه طرفة عين، بل ينبغي له علي الدوام أن يُفكر في مصلحة أميره، كذلك يجب علي الأمير أن يُفكر في مصلحة الوزير ليجصل علي أمانته وإخلاصه، فيشرفه ويثريه، ويحسن إليه بالمودة، ويكلفه بالأعمال ذات المسئولية، فلا يطمع في تشريف الغير ولا في ثروة السوي)).

11-((إذا استطاع كل إنسان أن يقول الحق أمامك فقد فقدت إحترامك، فالحاكم الحذر يتخذ وسيلة أُخري، وهي أن يجعل حوله رجالاً عقلاء ويجعل لهم حق القول بالصدق فيما يسألهم عنه ليس إلا، وينبغي له حينئذ أن يُسألهم عن كل شئ، وأن يعرف آرائهم ثم يُمعن النظر في أقوالهم وآرائهم، وعليه أن يسلك مع هؤلاء الرجال سلوكاً يدلهم علي أنهم كلما ازدادوا في قول الحق ارتفع قدرهم في نظر الأمير وعلت مكانتهم، وعليه أن لا يسمع من أحد غير هؤلاء الرجال وأن يسير في طريقه بعد التفكير دون الإلتفات لما يُقال، فإن من يفعل غير ذلك، إما يكون فعله بدون تبصر مدفوعاً بعامل التملق، وإما يبقي ديدنه التحول حسبما يوحي إليه من حوله، وعاقبة هذا السلوك عدم الإحترام)).

12-((الأمير يحتاج علي الدوام للشوري، وذلك لا عندما يريد غيره، بل يجب عليه أن لا يقبل مشورة مشورة أحد إذا لم يكن سأله ذلك، وينبغي له أن يكون كثير السؤال، حسن الاستماع، صبوراً علي القول، يغضب إذا تردد أحد في قول الصدق في حضرته)). 

zeyad elnagar

الكاتب

zeyad elnagar

أخبار ذات صلة

0 تعليق