Title

جريدة بريطانية: ثورة على القديم..كيان جديد..تعثر الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية في

0 تعليق 0 ارسل طباعة تبليغ حذف مشاركة الارباح

ظلت قوى الحرية والتغيير تؤكد على الدوام أنها الحاضنة السياسية الحاكمة، وممثلة ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، لكن للشارع السوداني رأياً آخر. إذ يعتقد كثيرون خصوصاً أسر ضحايا وفض الاعتصام، أن الثورة انحرف مسارها ولم تعُد مكونات القوى السياسية تلبي طموحاتهم.

من ناحية أخرى، لعبت قوى الحرية والتغيير دوراً في تسريع انسحاب دورها من المسرح السياسي السوداني، وذلك باتخاذها مواقف مضطربة في عدد من الملفات مما يجعلها تسبح عكس التيار العام، الذي يواجهها بانتقادات حادة واتهامات بأنها تمارس التسلُّق للوصول إلى السلطة والبقاء فيها.

ولم تفق هذه القوى من صدمتها بالشعب الذي أوصلها إلى سدة الحكم، حتى ظهرت خلافات من داخلها بعد إعلان انسحاب تجمع المهنيين السودانيين، وهو الجناح الأصلي الذي بُني عليه التحالف، معللاً ذلك بوجود انفصالٍ بين الكيانين السياسي والتنفيذي للدولة.

ثورة على القديم

فوجئت الأحزاب التقليدية بآلية جديدة للممارسة السياسية لدى الشباب الثائر، الذين يمثلون عماد التوجه السياسي الحالي. إذ لم تتوقع أن تمتد الثورة على النظام السابق لتطال الفكر السياسي الموروث منه.

ويمكن تفصيل ذلك في أن الحزبين التقليديين، الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة، دخلا إلى هذه القوى وشاركا في الحكومة الانتقالية ليس بمساهمتهما السياسية الحرة، إنّما بإرثهما التاريخي. إذ ظل قياديون فيهما يشغلون، حتى آخر يوم في عمر النظام السابق، وظائف مساعدين في القصر الجمهوري أو وزراء في الحكومة السابقة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى حزب المؤتمر الشعبي. فعلى الرغم من الزجِّ بحسن الترابي، عراب انقلاب البشير عام 1989، في السجن لفتراتٍ إبان عهد الإنقاذ وحدوث المفاصلة الشهيرة عام 1999، إلا أن الخطوط تماهت بين التنظيمين الإسلاميين. وبعد الثورة، أصبحت القضية المركزية لحزب المؤتمر الشعبي هي استعادة قواعد الحركة الإسلامية بالدعوة إلى الوحدة مع حزب المؤتمر الوطني للظهور تحت غطاءٍ جديد.

أما الحزب الشيوعي فقد حُرم من التمثيل السياسي الواضح في عهد النظام السابق للاختلاف الأيديولوجي بينهما، ولوجود حاجز نفسي بين معتقدات الحزب وتوجهات أغلب السودانيين.

كيان جديد

يكشف التعاطي السياسي الحالي مع الأحداث عن حاجة السودانيين إلى كيان سياسي جديد، ليمثلهم ويصوغ إجماعهم السياسي في دولة مدنية ديمقراطية وتعددية تكون على قدر تحدي التنوع والتعايش بين الإثنيات المختلفة. ومنذ نشوء الدولة كانت الانقسامات في المجتمع السوداني أفقية الطابع، وهو ما قاد إلى النزاعات المتواصلة في مناطق عدة على أساس إثني.

وأضيفت إليها انقسامات سياسية ذات طابع عمودي. وفي مناطق تقاطع الانقسامين، تنشب النزاعات الحالية التي تزاوج بين السياسي والاثني.

وفي الواقع، فإن هناك صراعاً مفاهيمياً في بنية مشروع التغيير يتراوح بين التوق إلى الانعتاق من كل ما يمتُّ إلى النظام السابق بصلة وسيطرة الإسلاميين على مفاصل الحياة السياسية والبلاد، وبين نموذج نظام سياسي حديث لا يمت بصلة إلى أي ممارسة سياسية في تاريخ الحديث، على أن يتجاوز مواطن عجز تلك الأحزاب التقليدية، الذي لن يُفضي إلا إلى نظام استبدادي آخر.

وبهذا يرى المناهضون لقوى الحرية والتغيير والنظام السابق معاً، أن هناك معادلة سياسية مفقودة تكمن في مطالب الشعب وتفاعلاته الاجتماعية والسياسية واستجابة السلطة لهذه المطالب التي جاءت في ثلاثة شعارات عفوية (حرية وسلام وعدالة)، لكن اختطفتها قوى الحرية والتغيير، فوقع على عاتق الحكومة الانتقالية عبء تحقيقها من دون أن تستعد إلى ذلك.

ظهر هذا التيار الجديد من سودانيين عاديين بصورة غير متوقعة، وهو مكون من شباب رافض لأشكال الوصاية التي تطبقها الأحزاب التقليدية والأيديولوجية معاً. كما كان رافضاً لتسلُّط الأحزاب الإسلاموية التي سيطرت على الحكم لثلاثة عقود، وتركت بعدها وطناً مهشماً وبنية تحتية مدمرة وسمعة دولية مهترئة. ونشأ بسبب هذه الأزمة، ما تقوم به هذه القوى من نفي لخيارات الشعب وابتزازه بمفهوم أن انتقادها يقود آلياً إلى الرضا بعودة النظام السابق.

تحرير الممارسة السياسية

يرى التيار الجديد أنه لا بد من تحرير الممارسة السياسية مما يقوم به كيان قوى الحرية والتغيير، إذ إن مهمة التواصل بين المجتمع والدولة هي من أهم ما عهد به لهذه الكيانات السياسية الموجودة على الساحة الآن، لكنها فشلت. فالتغيير مرجو في الإدارة والحكم والاقتصاد لحلَّ القضايا الاجتماعية الشائكة من خلال التوافق المجتمعي، الذي يبدو مفقوداً في أقاليم عدة مثل دارفور وشرق السودان وجبال النوبة، وألا يقوم أي حل على الاستيلاء على السلطة والثروة وتوزيعها لإخماد أي تحركاتٍ ومطالب شعبية تنموية. وفي تبدل النظم التقليدية للحركة الاجتماعية باستقلال المجال السياسي عن الأيديولوجي، وإنتاج دينامية أساسية لنظام حكم قابل للتطبيق.

الحقيقة أن هذا الوضع أنتج التوق إلى تحصيل الشرعية ومفاهيم الوطنية أو المصلحة القومية في مواجهة الدعوة الأممية الدينية التي طبقتها الحركة الإسلامية السودانية، التي باعدت بين مصلحة المواطن ومصلحتها وأخضعت السياسة للتوجُّه الأيديولوجي.

واتضحت في عهد الإنقاذ مكتسبات الاندماج السياسي- الأيديولوجي في مواقف البشير وتوجه نظامه، مثل الظهور كنصير للقضية الفلسطينية ومعاد لإسرائيل وخروج أعضاء التنظيم في تظاهرات نيابةً عن كل السودانيين. كان ذلك بدافع إرضاء حركة “حماس”، واتخاذ القضية الفلسطينية مطيةً لتحقيق وجود يمزج بين البعدين العربي والإسلاموي في إطار مشروع الحركة الإسلامية التوسعي.

يعمل المشروع على فكرة نشر الإسلام السياسي وإقامة حكومات إسلامية من الخليج إلى المحيط تطبيقاً لمفهوم المواطنة الأممية التي نادى بها حسن البنا في من قبل، وأخذت طور الإحياء مع استيلاء الحركة الإسلامية على الحكم في السودان على يد حسن الترابي، وصارت الفكرة عابرة لمفهوم الدولة القومية. ووجد المشروع مبتغاه في تنظيمات إقليمية، مثل “حركة النهضة” في التي شجعت محاولتها إيجاد سلطة أيديولوجية إسلامية حركية خارج النطاق الوطني، وعالمية مثل مكتب الإرشاد العام العالمي للإخوان المسلمين الذي كان يتخذ من العواصم الغربية مقرات له لممارسة نشاطه، إثر التضييق عليه بالمدِّ الشيوعي ومن بعده بالمد العروبي الناصري والبعثي.

تجيير المواقف

لا تزال الحركة الإسلامية تتخذ المواقف الحادة على هذا الأساس باختراق عقائد سياسية قريبة منها، مثل تيار الأنصار التابع لحزب الأمة، والمنتمين إلى التيار العروبي الناصري وحزب البعث العربي الاشتراكي. فخلقت بالتعاون مع هؤلاء سجالاً سياسياً حول اتفاق السلام مع إسرائيل. واتفق معهم الحزب الشيوعي وبعض مكونات قوى الحرية والتغيير من منطلقٍ آخر ومن دون تسويغٍ كافٍ يفصل ما بين مواقفها وموقف التيار الإسلامي.

اتخذ الحزب الشيوعي مع مكوناته هذا الموقف من منطلق معارضة موقف الحكومة الانتقالية، الذي هو جزء منها. فقد أعلن الحزب الشيوعي السوداني رفضه لاتفاق السلام بين السودان وإسرائيل في تصريحات متواترة لعضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب، صديق يوسف، الذي أشار إلى وقوف الحزب مع حق الشعب الفلسطيني، ملمِّحاً إلى أن هناك ما يدور في الخفاء بشأن العلاقة مع إسرائيل. وليس للأمر أي تفسير غير أنه ينطلق من فكرة قديمة يتمسّك بها الحزب الشيوعي من أجل بقائه، وهي أن إسرائيل وكيل الإمبريالية التوسعية مقابل نهب موارد الشعوب. وفي الواقع أن هذا الموقف، ليس أصيلاً، إنما يريد به الرافضون كسب نقاط سياسية جديدة.

هناك أيضاً الموقف من سد النهضة الذي تعارض فيه هذه القوى موقف الحكومة الانتقالية، وعلى رأسها حزب الأمة. إذ تعلن وقوفها إلى جانب اثيوبيا من دون مطالبتها بإيجاد حلٍّ للأزمة مع مصر، من منطلق تجيير الموقف ضدها، وذلك بأن ما يصلح لمصر لن يكون في صالحها، وأن الخروج عليها بأي موقف مضاد هو انتصار لتوجهها.

وتأسيساً على ما سبق، فإن هذا الوضع الدائر من دون تحقق الشرعية للحكومة الانتقالية التي تنتظر الانتخابات، يواجه أزمة وجود في أن قوى الحرية والتغيير تتصرف بوصفها كياناً نهائياً ممثلاً للثورة. وإزاء توقعات بتغيير هذه الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، يتهيأ حزب الأمة وفق مقترح أعلنه رئيسه الصادق المهدي، إلى خلق تحالف مع حزب المؤتمر الشعبي، لحصر التنافس في الانتخابات المقبلة بينهما، مما قد يُفضي إلى أن يحل حزبه منفرداً محل قوى الحرية والتغيير، وهو ما جُوبه باعتراضٍ واسع من سياسيين والرأي العام.

شارك هذا الخبر:

أخبار ذات صلة

0 تعليق